الشيخ الأنصاري
318
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
أي ما يجتنبونه من الأفعال والتروك وظاهرها أنه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام إلا بعد ما يبين لهم . ( وعن الكافي وتفسير العياشي وكتاب التوحيد : حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه ) وفيه ما تقدم في الآية السابقة مع أن دلالتها أضعف من حيث إن توقف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب اللهم إلا بالفحوى . ومنها قوله تعالى لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . وفي دلالتها تأمل ظاهر . ويرد على الكل أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلف لو فرض وجوده واقعا فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم ومعلوم أن القائل بالاحتياط ووجوب الاجتناب لا يقول به إلا عن دليل علمي . وهذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه كما لا يخفى . ومنها قوله تعالى مخاطبا لنبيه صلى اللَّه عليه وآله ملقنا إياه طريق الرد على اليهود حيث حرموا بعض ما رزقهم الله تعالى افتراء عليه قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً . فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرموه في جملة المحرمات التي أوحى الله إليه وعدم وجد أنه صلى اللَّه عليه وآله ذلك فيما أوحي إليه وإن كان دليلا قطعيا على عدم الوجود إلا أن في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة . لكن الإنصاف أن غاية الأمر أن يكون في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب وأما الدلالة فلا ولذا ( قال في الوافية وفي الآية إشعار بأن إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع ) مع أنه لو سلم دلالتها فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن الله تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام الله تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنا وسيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العملي على هذا المطلب .